أخبار عاجلة

جولة الشراع حين تبحر الذاكرة في قلب مدينة الشحر

top-news

كتب /أ. عمر منصور مباركوت



في مدن كثيرة قد تكون الدوارات أو الجولات مجرد تقاطعات مرورية تكتفي بتنظيم السير وتخفيف الازدحام لكن في مدينة الشحر يتحول الدوار إلى حكاية وإلى قصيدة مفتوحة على البحر وإلى شاهد صامت يروي تاريخاً لا يزال مبللاً برائحة السمك وعرق الصيادين و بحار السفن الشراعية القديمة. هناك تقف جولة الشراع ليس كهيكل خرساني جامد بل كرمز نابض بالحياة يشير إلى زمن كانت فيه الريح حليف الإنسان و محرك قاربه الخشبي القديم في البحر فقد كان الشراع قلب الرحلة وروحها.

منذ الوهلة الأولى يأسرك المشهد شراع مرفوع يتحدى الزمن وكأنه لا يزال ينتظر نسمة بحرية تدفعه نحو الأفق. ذلك الشراع ليس مجرد تصميم جمالي فقط بل هو ذاكرة تختصر قروناً من العلاقة الحميمة بين الإنسان والبحر علاقة صاغت ملامح المدينة وحددت مصير أهلها وجعلت من البحر كتابهم المفتوح الذي لا ينتهي.

لقد عرفت مدينة الشحر عبر التاريخ بكونها بوابة بحرية مهمة ومرفأً يقصده التجار والرحّالة كما ارتبط اسمها بمواقف الصمود والتصدي حين واجهت أطماع الغزاة في حقب مضت ومن بينهم البرتغاليون الذين حاولوا مد نفوذهم إلى سواحل حضرموت فكان لأهل الشحر موقف يكتب بماء الذهب و الفخر في سجل التاريخ. ومن بين أمواج تلك المواجهات خرجت المدينة أكثر التصاقاً ببحرها وأكثر إيماناً بأن قوتها تكمن في وحدتها مع امتداد بحرها الأزرق.

واليوم تعرف الشحر بأنها العاصمة السمكية لليمن وحضرموت، ليس بقرار رسمي بل بواقع يعيشه أهلها كل يوم. فالغالبية من أبنائها امتهنوا الصيد وتوارثوا أسراره جيلاً بعد جيل منذ أن كانت القوارب الخشبية الصغيرة، المعروفة محلياً تشق عباب البحر بشراعٍ بسيط يستمد حركته من الرياح ويستمد صبره من قلوب الصيادين.

ومن هنا تأتي جولة الشراع كترجمة بصرية لهذه الهوية. إنه ليس مجرد معلم حضري فقط بل هو رسالة تختصر فلسفة المكان:
أن الشراع لم يكن يوماً قطعة قماش بل كان أملاً مرفوعاً و قراراً بالإبحار وثقة بأن البحر رغم قسوته يمنح الحياة لمن يعرف كيف يخاطبه.
في كل صباح حين تعبر السيارات حول الجولة قد يراه البعض مروراً عابراً لكن من يعرف حكاية الشحر يدرك أن ذلك الشراع يلوح لهم جميعاً و يذكرهم بأن هذه المدينة لم تبني على اليابسة وحدها بل شيدت على امواج من الكفاح وعلى رحلات طويلة من الصبر والمغامرة.

إنه رمز يعيد صياغة العلاقة بين الماضي والحاضر فكما كان الشراع قديماً وسيلة للرزق والاكتشاف فإنه اليوم يصبح وسيلة للتذكير ولإحياء الذاكرة الجمعية ولغرس الفخر في نفوس الأجيال القادمة.

وهكذا تظل جولة الشراع أكثر من مجرد معلم جمالي… إنه بوابة رمزية كل من يمر بها يعبر دون أن يدري أنه يمر من حاضر الشحر إلى ماضيها ومن الطريق إلى البحر الى طريق البر حكاية لا تزال تكتبها الريح.

image

اقرأ أيضاً

image

تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا

  • 2025-08-19 (أخبار حضرموت) Reporter 12

جريدتنا اليومية

انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية

اخترنا لك

  1. الرئيسية

    2021-09-07 (home) وكالات

  2. أخبار حضرموت

    2021-09-07 (hadramout-news) وكالات

  3. أخبار المحافظات

    2021-09-07 (governorates-news) وكالات

  4. أخبار عالمية

    2021-09-07 (world-news) وكالات

  5. تقارير

    2021-09-07 (reports) وكالات