أكتوبر.. حين انتصرت إرادة اليمنيين على قوة الإمبراطورية
كتب /المحامي الدكتور أسامة الأصبحي
ليست ثورة 14 أكتوبر مجرد ذكرى تُستعاد كل عام، ولا مناسبة نرفع فيها الشعارات ثم نعود إلى واقعنا كما كان؛ إنها واحدة من أكثر الصفحات إشراقا في تاريخ اليمن، يوم قال اليمنيون إن إرادة الشعوب أقوى من جبروت الإمبراطوريات، وإن الاحتلال مهما امتلك من السلاح والقوة لا يستطيع أن يهزم شعبا قرر أن يكون حرا.
في 14 أكتوبر 1963 انطلقت شرارة الثورة من جبال ردفان، وبدأ فصل جديد من الكفاح الوطني ضد الاستعمار البريطاني، حتى كان الثلاثون من نوفمبر 1967 موعدا مع الاستقلال.
لم يكن أولئك الثوار يملكون جيوشا حديثة ولا ترسانة عسكرية ضخمة، لكنهم امتلكوا ما هو أعظم إيمانا بالوطن، وإرادة للحرية، وشجاعة لا تعرف الانكسار.
وهنا تكمن عظمة أكتوبر.
فالمعارك الكبرى لا يحسمها دائمًا تفوق السلاح، بل تحسمها أحيانا قوة الفكرة، وصلابة الإرادة، وإيمان الإنسان بأن الأرض التي يدافع عنها تستحق أن يموت من أجلها.
واليوم، بعد أكثر من ستة عقود، يعود اليمن إلى لحظة تشبه في جوهرها تلك اللحظة التاريخية، وإن اختلف العدو والظروف.
ففي الخامس من أكتوبر 2026 انطلقت عملية (فجر اليمن) لاستعادة مؤسسات الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في مسار الحرب اليمنية. وشهدت الساعات الأولى للعملية تحركات عسكرية واسعة وتقدما في مناطق استراتيجية، بينها باب المندب وذو باب والساحل الغربي، مع إعلان القوات المسلحة مواصلة العمليات على عدة محاور.
وهنا يصبح استحضار أكتوبر أكثر من مجرد استذكار للماضي.
فما أشبه الأمس باليوم.
بالأمس كان الجندي اليمني والثائر اليمني يقف في وجه قوة استعمارية تمتلك من الإمكانات ما يفوق إمكاناته بأضعاف، لكنه كان يعرف أن المعركة معركة وطن.
واليوم يقف الجندي اليمني في الجبهات نفسها تقريبًا، يحمل سلاحه دفاعًا عن فكرة الدولة والجمهورية، وعن حق اليمنيين في وطن تحكمه المؤسسات والقانون، لا المليشيات والسلاح خارج الدولة.
الجندي الذي يقف اليوم في الخندق ليس مجرد رقم في بيان عسكري؛ إنه ابن هذا الشعب، وابن هذه الأرض، يحمل معه وجع أسرته وأحلامها، ويقاتل في ظروف قاسية من أجل أن يعود الوطن إلى أبنائه.
ولذلك فإن الحديث عن فجر اليمن لا ينبغي أن يكون حديثًا عن تقدم عسكري فقط، بل عن فرصة لاستعادة المعنى الحقيقي للدولة.
فلا قيمة لأي انتصار عسكري إذا لم يتحول إلى دولة.
ولا معنى لتحرير الأرض إذا بقي المواطن خائفًا على كرامته وحقوقه.
ولا معنى للحديث عن الجمهورية إذا ظلت مؤسساتها ضعيفة، والقانون عاجزًا عن حماية الناس، والمصلحة العامة أسيرة الحسابات الضيقة.
لقد تعب اليمنيون من الحروب، ومن الانقسامات، ومن سنوات طويلة ضاعت فيها أعمار أجيال كاملة بين الجبهات والنزوح والفقر والخوف.
ولهذا فإن معركة اليوم يجب أن تكون آخر الطريق إلى الدولة، لا بداية لدورة جديدة من الصراع.
لقد قاتل آباؤنا وأجدادنا في أكتوبر من أجل وطن لا سيد فيه فوق القانون، ولا مواطن فيه أقل من مواطن، ولا جماعة فيه فوق الدولة.
وقبل أكتوبر كانت سبتمبر، وبعدهما تواصلت أجيال من اليمنيين في الدفاع عن الجمهورية، ودفعوا من دمائهم وأعمارهم ثمنًا باهظًا حتى لا يعود اليمن إلى زمن الامتيازات والاستعلاء والسلالات والعصبيات.
واليوم، لا يجوز أن ننتصر عسكريا ثم نخسر سياسيا وأخلاقيًا.
لا يجوز أن نستبدل مشروعًا مليشاويا بمشاريع مناطقية، ولا أن نستبدل الانقلاب بانقسامات جديدة، ولا أن يتحول النصر إلى غنيمة تتقاسمها القوى والمصالح.
اليمن أكبر من الجميع.
والجمهورية ليست ملكا لحزب، ولا لمنطقة، ولا لقبيلة، ولا لعائلة، ولا لجماعة.
إنها حق كل يمني.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي لشهداء أكتوبر ليس أن نضع صورهم على الجدران ونردد أسماءهم في المناسبات، وإنما أن نحمي المشروع الذي ضحوا من أجله: دولة يمنية واحدة، جمهورية، عادلة، قوية، يحكمها القانون وتصان فيها كرامة الإنسان.
لقد أثبت ثوار أكتوبر أن المستعمر يمكن أن يرحل عندما تتوحد الإرادة.
واليوم، تثبت تضحيات الجنود والمقاتلين اليمنيين أن الانقلاب مهما طال عمره لا يستطيع أن يكون قدرًا أبديًا لليمن.
لكن النصر يحتاج أكثر من الرصاص.
يحتاج إلى قرار سياسي شجاع، وجيش وطني موحد، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وعدالة لا تفرق بين يمني ويمني، وإرادة وطنية تضع مصلحة اليمن فوق كل الحسابات.
أكتوبر لم يكن ثورة على البريطانيين فقط؛ كان ثورة على فكرة أن يُفرض على اليمنيين واقع لا يريدونه.
واليوم، فإن المعركة الحقيقية هي أن يستعيد اليمنيون حقهم في تقرير مستقبلهم بأنفسهم، وأن يستعيد الوطن دولته، وأن يعود السلاح إلى مؤسسات الدولة، ويعود المواطن إلى صدارة اهتمامها.
رحم الله شهداء أكتوبر، ورحم كل شهيد يمني سقط دفاعًا عن الجمهورية والوطن.
والتحية لكل جندي يقف اليوم في الجبهة، بعيدا عن أهله، يحمل بندقيته وفي قلبه وطن.
من ردفان إلى جبهات اليوم، تتغير الأسماء والسنوات، لكن الرسالة واحدة: اليمن لا يُهزم ما دامت إرادة أبنائه حية.
وإذا كان أكتوبر قد صنع فجر الاستقلال، فإن فجر اليمن اليوم يجب أن يصنع فجر الدولة.
فذلك هو النصر الذي يستحقه اليمنيون.
وذلك هو الوفاء الحقيقي لمن سبقونا.
اقرأ أيضاً
تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا
جريدتنا اليومية
انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية
