أخبار عاجلة

من خلف الشاشة… جنرال جديد

top-news

كتب / د. عبدالله المسوري



هناك من يظن أن الحرب تبدأ بخبر عاجل وتنتهي بمنشور احتفالي. يرى خريطة تتحرك فيستعجل النصر، ويسمع عن تقدم في جبهة فيشرع في توزيع الأدوار، ويتقمص في لحظة حماس دور القائد والمحلل والمراسل.

لكن الحرب الحقيقية لا تجري على شاشات الهواتف.

الحرب هناك؛ حيث يقف الرجال تحت النار، وحيث يصبح الثبات قراراً يومياً، وحيث لا يملك المقاتل ترف حذف المنشور حين يكتشف أنه أخطأ التقدير. هناك تُدفع أثمان لا يعرفها المتفرجون، وتُقاس الانتصارات بميزان غير ميزان المنصات.

وحدهم من يقفون في وجه العاصفة يعرفون أن النصر ليس لحظة نشوة، بل مسؤولية تبدأ بعد أن ينتهي التصفيق.

فالمقاتل الذي يتقدم شبراً لا يراه رقماً على خريطة، بل أرضاً سيحميها، وسكاناً أمانةً في عنقه، وجرحى وشهداء يجب أن تحفظ تضحياتهم مكانتها.

وهنا يظهر الفرق الجوهري: بين من يقاتل لاستعادة الدولة، ومن يقاتل لتوسيع نفوذه.

الدولة حين تستعيد أرضاً ترث مسؤولياتها: أمنها وخدماتها وحماية أهلها. أما الجماعة التي ترى في المجتمع خزّاناً بشرياً للحرب، فلا ترى في الإنسان إلا رقماً قابلاً للاستبدال.

المعركة في جوهرها ليست على الجغرافيا، بل على معنى السلطة: مسؤوليةٌ أم استحواذ؟ والمواطن: صاحب حق أم تابع؟ والأرض: وطن أم مساحة نفوذ؟

ومع ذلك، ما إن تلوح مؤشرات تقدم حتى تبدأ حفلة التسريبات: خرائط غير موثوقة، أخبار تتناسل من حساب إلى حساب، وكل من امتلك هاتفاً صار خبيراً عسكرياً. والأدهى أن بعض من يُفترض أنهم نخبة يقعون في الفخ ذاته: يُملون على الجيش أين يتحرك ومتى يتقدم، وينشر بعضهم تفاصيل العمليات وكأنه في غرفة القيادة.

وهنا تكون الكلمة بلا مواربة:

لا تُديروا الحرب من خلف الشاشات.

القادة في الميدان يملكون معلومات لا يملكها المعلقون، وحساباتٍ لا تظهر في مقطع فيديو، واعتبارات تتعلق بأرواح لا يعرف عنها المتابع شيئاً.

قد يظن الناشط أنه يساعد بنشر معلومة، لكنه قد يقدم للخصم — من حيث لا يدري — قطعة الصورة التي ينتظرها.

فالتريث في أخبار الجبهات ليس جبناً، وحجب التفاصيل العملياتية ليس تراجعاً، والصمت حين يضرّ الكلام ليس عجزاً. أحياناً يكون أصدق أشكال الدعم ألّا تقول شيئاً.

ولا يظننّ أحد أن حذف المنشور بعد دقائق يمحو أثره. لا يمحو. ففي الحرب قد تصل المعلومة إلى العدو قبل أن تصل إلى جمهورها.

هناك فرق بين أن تكون مؤازراً للجيش وأن تتصرف كأنك جزء من قيادته. وبين رفع المعنويات ونشر ما يضر المقاتلين. وبين النقد السياسي المسؤول والوصفات العسكرية من خلف مقهى.

المعركة ليست مسابقة في سرعة التغريد. إنها حياة بشر.

والأخطر من التسرّع: مرض نشوة النصر. فالانتصار التكتيكي ليس انتصاراً استراتيجياً بالضرورة، والسيطرة على موقع ليست نهاية الحرب.

النصر الحقيقي يبدأ حين تثبت الدولة حضورها، وتحمي الناس، وتعيد الخدمات، وتغلق الباب أمام عودة المليشيات، وتحوّل الأرض المستعادة من ساحة قتال إلى مساحة حياة. أما الاحتفال قبل أوانه فلا يصنع نصراً — بل قد يبدّد ثماره.

ما تحتاجه قضيتنا اليوم ليس مزيداً من الصراخ، بل مزيداً من الانضباط. فالوطنية ليست أن تعرف كل شيء، بل أن تعرف ما لا ينبغي أن تقوله. واحترام الشهداء ليس برفع صورهم فقط، بل بعدم تحويل تضحياتهم إلى متاجرة إعلامية.

واحترام المقاتل يبدأ من حقيقة بسيطة: هو في الميدان يدفع ثمن القرار، بينما نحن خلف الشاشات لا ندفع سوى ثمن خطأ في منشور.

فلنخفض ضجيج المنصات، ولنترك للميادين أهلها. دعوا الجيش يقاتل، والقيادة تخطط، والإعلام ينقل بمهنية، والناشطين يساندون بوعي.

أما نحن، فعلينا فضيلة نادرة في زمن الضجيج: أن نفرح بالنصر دون أن نفقد رشدنا، وأن ندرك أن الطريق إليه لا يُقاس بعدد المنشورات، بل بقدرة الدولة على تحويل التقدم العسكري إلى أمن دائم، والدماء إلى دولة، والأرض المحررة إلى وطن آمن لأهله.

فالحرب لا تنتهي عندما تتغير الخريطة، بل عندما يصبح الإنسان آمناً فوقها.

image

اقرأ أيضاً

image

تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا

  • 2025-08-19 (أخبار حضرموت) Reporter 12

جريدتنا اليومية

انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية

اخترنا لك

  1. الرئيسية

    2021-09-07 (home) وكالات

  2. أخبار حضرموت

    2021-09-07 (hadramout-news) وكالات

  3. أخبار المحافظات

    2021-09-07 (governorates-news) وكالات

  4. أخبار عالمية

    2021-09-07 (world-news) وكالات

  5. تقارير

    2021-09-07 (reports) وكالات