شرعية التوافق والأمن الإقليمي: قراءة قانونية لممارسات "الانتقالي" في ضوء المرجعيات الأربع
بقلم مستشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي لشؤون الإدارة المحلية - بدر محمد باسلمة
تواجه الشرعية اليمنية تحدياً وجودياً مركباً؛ فبينما تخوض معركة عسكرية ضد الانقلاب الحوثي، تجد نفسها ملزمة بخوض معركة قانونية وسياسية لا تقل ضراوة للحفاظ على وحدة الصف الداخلي. وفي هذا السياق، يمثل سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي في المحافظات الشرقية (حضرموت والمهرة) خرقاً ممنهجاً لمنظومة المرجعيات الحاكمة للمرحلة الانتقالية، وهي منظومة لا تقبل التجزئة، قوامها: قرار مجلس الأمن 2801 (2025)، اتفاق الرياض (2019)، إعلان نقل السلطة (2022)، والمبادرة الخليجية.
أولاً: القرار 2801 (2025).. الفيتو لدولي الصريح
أسس القرار الأممي 2801 لقاعدة قانونية ملزمة تحظر "استخدام العنف لتحقيق مكاسب سياسية". وبناءً عليه، فإن التحشيد العسكري للانتقالي تجاه وادي حضرموت يُكيف قانونياً كعمل من أعمال "العرقلة" لعملية السلام، مما يضع قياداته تحت طائلة العقوبات. كما أن محاولات السيطرة على الموارد المالية والمنافذ في الشرق تُعد انتهاكاً لسيادة الدولة وتهديداً للأمن الاقتصادي، وهو ما يتعارض جوهرياً مع نصوص القرار التي تجرم تفتيت المؤسسات المالية.
ثانياً: اتفاق الرياض (2019).. الانقلاب على الترتيبات الأمنية
مثّل اتفاق الرياض إطاراً لدمج التشكيلات العسكرية تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية. غير أن ممارسات الانتقالي بنقل القوات إلى شبوة وحضرموت بدلاً من سحبها ودمجها، واستحداث تشكيلات من خارج أبناء المنطقة (مثل النخبة والأحزمة)، تُعد خرقاً للترتيبات الأمنية والعسكرية الواردة في الاتفاق . هذا السلوك يحول هذه القوات من أدوات دولة إلى مليشيات مناطقية، مما يبطل جوهر الاتفاق الذي قام على توحيد الجبهة لا تشتيتها.
ثالثاً: إعلان نقل السلطة (2022) تقويض مبدأ التوافق
يستمد مجلس القيادة الرئاسي شرعيته الدستورية والقانونية من "إعلان نقل السلطة" الذي نص صراحة على "التوافق والشراكة" كآلية وحيدة لاتخاذ القرار وإدارة المرحلة الانتقالية . إن اتخاذ الانتقالي لقرارات عسكرية وأمنية أحادية في الشرق، والتحرك دون إجماع أعضاء المجلس الرئاسي، ومهاجمة المكونات الحضرمية الأخرى، يشكل "خروجاً جسيماً عن الإجماع". هذا الخرق لا يهدد السلم الأهلي فحسب، بل يطعن في شرعية المجلس الرئاسي نفسه ويعيد الأزمة إلى مربع الصراع الصفري؛ فالشرعية الحالية هي "شرعية توافقية"، وأي إخلال بهذا الركن يهدم الأساس القانوني الذي يشارك بموجبه الانتقالي في السلطة.
رابعاً: المبادرة الخليجية.. تهديد الأمن الإقليمي
تظل المبادرة الخليجية المرجعية الأم التي ركزت على "أمن واستقرار اليمن" كجزء لا يتجزأ من أمن دول الجوار. إن إثارة النعرات المناطقية وزعزعة الاستقرار في محافظات حدودية حساسة (حضرموت والمهرة) يمثل تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، وتحديداً للأمن القومي للمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان . يُعد هذا السلوك خرقاً لروح المبادرة التي رعتها دول الخليج، ومجازفة خطيرة بعلاقات حسن الجوار، حيث يحول المناطق الشرقية من عمق استراتيجي آمن إلى بؤرة توتر، مما قد يستدعي مواقف إقليمية حازمة لحماية الأمن القومي الخليجي.
الخلاصة: سقوط الشرعية عن المجلس الانتقالي بسقوط الالتزام
إن القراءة القانونية المتكاملة لهذه المرجعيات (القرار 2801، اتفاق الرياض، إعلان نقل السلطة، والمبادرة الخليجية) تؤكد أن ما يجري في الشرق ليس مجرد تحركات ميدانية، بل هو هدم ممنهج للأسس القانونية للدولة. لم يعد المجلس الانتقالي يواجه خصوماً سياسيين فقط، بل وضع نفسه في مواجهة مع الإرادة الدولية (القرار 2801)، ومع مقتضيات الشراكة الوطنية (إعلان نقل السلطة)، ومع ضرورات الأمن الإقليمي (المبادرة الخليجية). وعليه، فإن استمرار هذه التجاوزات يجرد الانتقالي_من غطائه السياسي، ويحوله في نظر القانون الدولي والاقليمي من_شريك في_السلطة إلى طرف معرقل يهدد السلم والأمن الدوليين.
اقرأ أيضاً
تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا
جريدتنا اليومية
انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية
