الزراعة في حضرموت إلى أين: حوار مع المهندس موسى سقاف العيدروس
أجرى الحوار : محمد خرصان
تستضيف صحيفة الأيام في هذا الحوار المهندس موسى سقاف علوي العيدروس، رئيس مركز الكوكب الأزرق للدراسات والاستشارات، ويعمل أيضًا كاستشاري في الجانب الزراعي لدى منظمة الأغذية والزراعة (الفاو). نناقش معه واقع ومستقبل الزراعة في حضرموت في ظل التحديات المناخية والمائية المتزايدة،ونسلط الضوء على أبرز الحلول والابتكارات الممكنة.
مرحباً بك مهندس موسى. بدايةً، ونحن نتحدث عن الحلول المناخية، ما هو محور تكنولوجيا الابتكار الزراعي؟ وما هي أبرز الحلول الابتكارية التي يمكن تطبيقها في حضرموت لمواجهة هذه التحديات؟
م. موسى العيدروس: أهلاً بك. نحن اليوم في مواجهة تحديات كبيرة لا بد من التعامل معها إذا أردنا فعلاً التكيف مع ما يحمله المستقبل للقطاع الزراعي. الحديث عن تغير المناخ له اتجاهان: الأول هو الحد من مسببات تغير المناخ، وهذا مرتبط بالدول الصناعية الكبرى التي تعد الملوث الرئيسي للمناخ، وللأسف، الكثير منها لا يلتزم بالاتفاقيات الدولية. أما الاتجاه الثاني، وهو ما يهمنا بشكل مباشر، فهو التكيف مع التغيرات المناخية وآثارها.
نحن في اليمن، وفي حضرموت خصوصاً، من الدول المصنفة بأنها ستتأثر بشدة بهذه التغيرات. لذلك، من المهم جداً أن نفكر بجدية في كيفية ابتكار وتبني السياسات والتكنولوجيا التي تمكننا من التكيف. للأسف، نحن نجني ثمار عبث الآخرين بالمناخ، وعلينا أن نكون مستعدين لمواجهة ذلك.
ذكرت أن حضرموت من المناطق المتأثرة بالتغيرات المناخية. ما هي أبرز مظاهر هذه التغيرات التي نشهدها محلياً؟
م. موسى العيدروس: أبرز المظاهر التي نشهدها هي ما نسميه “الظواهر المناخية المتطرفة”. يتجلى ذلك في شكل أعاصير دورية تأتي بصورة مفاجئة وحادة، مثل إعصار “تيج ” مؤخراً وقبله “تشابالا”، والتي تخلف دماراً كبيراً في البنية التحتية والتربة الزراعية، وتؤدي إلى تملح المياه الجوفية نتيجة غزو مياه البحر للمناطق الساحلية.
في عام 2008، شهدنا في حضرموت أمطاراً إعصارية بكميات هائلة أدت إلى فيضانات أغرقت قرى بأكملها وجرفت مساحات زراعية واسعة، ولا نزال نعاني من آثارها حتى اليوم. الوجه الآخر لهذا التطرف هو نوبات الجفاف الحادة، حيث تنقطع الأمطار لسنوات، مما يؤدي إلى هبوط منسوب المياه الجوفية وجفاف المزارع، وهو ما لاحظناه في دراسات ميدانية أجريناها بالتعاون مع منظمة الفاو في بعض المحافظات.
مشكلة المياه تبدو هي التحدي الأكبر. هل هناك سياسات أو تقنيات حديثة يمكن أن تساهم في الحفاظ على الموارد المائية في حضرموت؟
م. موسى العيدروس: بالتأكيد. المشكلة ليست فقط في التغيرات المناخية، بل أيضاً في سوء إدارة الموارد المائية. نحن في حضرموت لدينا عجز في الميزان المائي قد يصل إلى 150 مليون متر مكعب سنوياً. الحل يكمن في تبني سياسات فعالة لنشر ثقافة حصاد المياه. من المفارقات أن مناطق مثل صنعاء وتعز تتلقى كميات أمطار أكبر منا بكثير، لكنها تعاني من أزمة مياه أشد، لأنها أهملت الممارسات التقليدية في حصاد المياه بعد الاعتماد على شبكات المياه الحديثة.
في حضرموت، لدينا إرث تقليدي غني في هذا المجال. على سبيل المثال، الحفر الكبيرة التي كانت تستخدم لجلب الطين للبناء في وادي حضرموت، تحولت خلال فيضانات 2008 إلى برك ضخمة عملت على تغذية الخزانات الجوفية بشكل طبيعي. هذا مثال بسيط على كيف يمكن لابتكارات بسيطة ومحلية أن تكون فعالة. في تايلاند على سبيل المثال، يُلزم كل منزل ببناء خزان لتجميع مياه الأمطار من سطح المنزل، وهي ثقافة كانت موجودة لدينا في اليمن ولكنها أُهملت.
بالإضافة إلى شح المياه، ما هي التحديات الأخرى التي تواجه القطاع الزراعي، وكيف يمكن للابتكار أن يساعد في التغلب عليها؟
م. موسى العيدروس: التحديات تشمل أيضاً ارتفاع درجات الحرارة، وتلوث التربة والمياه. المحاصيل الزراعية تحتاج إلى ظروف محددة من الحرارة والرطوبة والضوء، والتغيرات المناخية تؤثر على كل هذه العوامل. كما أن التلوث بمياه الصرف الصحي، التي تستخدم أحياناً في الري دون معالجة، يؤدي إلى تراكم العناصر الثقيلة والسامة في التربة والمحاصيل، مما يهدد الصحة العامة.
الحل يتطلب عملاً على مسارين متوازيين: الأول استراتيجي، ويتمثل في وضع الدولة لسياسات ورؤية واضحة لمواجهة هذه التحديات، وتوفير التمويل اللازم، وبناء مؤسسات فعالة قادرة على تنفيذ هذه السياسات. المسار الثاني مجتمعي، ويرتكز على نشر الوعي والثقافة البيئية لدى المواطنين والمزارعين، وتشجيعهم على تبني ممارسات مستدامة. يجب على الجامعات ومراكز الأبحاث ومنظمات المجتمع المدني أن تلعب دوراً محورياً في هذا الجانب، من خلال توجيه الدراسات والأبحاث نحو إيجاد حلول مبتكرة لهذه المشاكل الملحة.
في الختام، ما هي رسالتك للجهات المعنية والمجتمع في حضرموت؟
م. موسى العيدروس: رسالتي هي أننا نواجه تحديات حقيقية لا يمكن تجاهلها. المؤشرات والتحذيرات تأتينا تباعاً على شكل أعاصير وفيضانات وجفاف. لا يجب أن ننتظر حتى تتعقد المشكلة ويصعب حلها. يجب أن تكون مواجهة التغيرات المناخية ضمن أولوياتنا على المستوى الرسمي والشعبي. علينا أن نعمل معاً، حكومة ومجتمعاً، لتبني سياسات مستدامة، ونشر ثقافة الحفاظ على مواردنا، وتشجيع الابتكارات المحلية التي تساعدنا على التكيف والصمود. إنها مسؤولية مشتركة، والوقت ليس في صالحنا.
اقرأ أيضاً
تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا
جريدتنا اليومية
انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية
